العجوز ‏و ‏القطط/بقلم ‏احمد ‏عيسى

العجوز والقطط
بقلم/ أحمد عيسى
في كثير من جوامع ومساجد المناطق الشعبية بمصرنا العامرة، لا تخطئ العين رجلاً عجوزاً بلغ من الكبر عتياً، عابس الوجه، مقطب الجبين، غائر العينين، مقوس الظهر، يبدو عليه حطام البؤس، ووعثاء الحياة، هذا العجوز لا يترك عكازته من يده؛ فهي له ساقٌ ثالثة تدعم قدميه الواهيتيْن.
ولعصا العجوز هذه مآرب أخرى، فهو يهش بها على الكلاب الضالة التي تعترض طريقه عند خروجه لصلاة الفجر، كما أنه يعالج بها نعليه حين يهمُّ بالخروج من المسجد.
ومن أسفٍ أن هذه العصا –ذاتها- هي التي يلوِّح بها للأطفال من رواد المسجد زجراً لهم وطرداً؛ إن هَمَّ أحدهم بشُرب ماءٍ من الثلاجة، أو فتح مصحف، أو تجرأ فاقترب من مكتبة المسجد، أو من رحاب الصف الأول!
وفي مقرأة "مسجد الصحابة"، بمنطقة عين شمس، دار هذا الحوار بين المعلم "أيمن" وبعض تلاميذه الذين يتعلمون مبادئ الدين وأحكام تلاوة القرآن الكريم على يديه..
المعلم: أبنائي، كم تشبهون بوداعتكم القطط الصغيرة المسالمة التي أوصانا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بها وبكل ذات كبد رطبة خيراً فهي من الطوافين علينا والطوافات.
اليوم قبل بدء حصة التلاوة، نناقش معاً قضية تهمكم وهي علاقة كبار السِّنّ بأطفال المساجد.. ما طبيعة هذه العلاقة.. وما أسبابها من وجهة نظركم؟ وكيف يمكن التعايش في كنفها وظلها؟
مازن: إنها علاقة جِد متوترة، ونحن كثيراً لا نهتدي لأسباب هذه القسوة التي نجابهها من كبار السِّنّ.
باسل: حقاً هي علاقة تنقصها الرحمة، ويشوبها الترصد والتنمّر، وتكتنفها الغلظة والعنف.
باهر: أنا معكما في أن هذه العلاقة في غالبها متشنجة، لكن ليس مع كل كبار السِّنّ، ربما عانينا ضراوة هذه العلاقة مع واحدٍ أو اثنين فقط من الطاعنين في السِّنّ.
المعلم أيمن: نريد الآن أن نتعرف على أسباب هذه الظاهرة.. فمن منكم يُوقفنا على سبب توتر هذه العلاقة؟
مازن: ربما كان السبب أن هؤلاء المُسِنِّين يقرعون أبواب المساجد في خريف عمرهم؛ فيتعاملون في جنباتها وَفْقَ قوانين الحياة خارج المساجد من تسلط، وتكالب، وقهر، ومغالبة!
باسل: أرى أن الأسباب نفسية في المقام الأول، فربما يعكس هؤلاء المسنون ما كانوا يلقونه من عَنَتِ كبار السِّنّ حين كانوا في مثل سني عمرنا فيما يعرف في علم النفس بـ "الخبرة السيئة" التي تظل باقية في هامش الشعور تاركة أثراً غائراً عميقاً في النفس، أو لعلها الغيرة من كوننا سبقناهم إلى المساجد في سن مبكرة دون العمر الذي غشوا هم فيه المساجد والجوامع.
باهر: أما أنا فأعزو اضطراب هذه العلاقة إلى أسباب صحية، فالمسنون يكونون أحرج صدراً، وأدنى انفعالاً واستثارة من غيرهم.
وربما كان للأدوية التي يتجرعونها تخفيفاً لأمراض الشيخوخة دخل في شدة بأسهم، وصعوبة مراسهم، وعدم مرونتهم.
المعلم: تحليلاتكم علمية ودقيقة.. فقط أضيف: أن المتقدمين في السِّنّ تتسم حياتهم بتأنٍ في التفكير والقرارات، وبأناة ورويَّة في السير والحركات، مع جنوحٍ شديد إلى الهدوء والسكينة.
الآن.. هل من حلول للتقارب بين هاذين الجيلين مختلفي الأعمار والخبرات والطباع.. أعني جيل المُسِنِّين وجيل الأطفال؟
مازن: من جانبنا، سنحاول الالتزام بما يحبون من أدب وسكينة قدر طاقتنا، لكن على إدارة المسجد توجيههم إلى الرفق والرحمة، وعدم التربص للفتك بنا.
باسل: أقترح أن يضمنا لقاء بهؤلاء المُسِنِّين كل شهر مرة، نستمع إلى نوادر حياتهم، ولشيء من قصص أيامهم البارزة، فربما كان هذا سبباً في إسعادهم وإظهار العناية بذواتهم وذكرياتهم.
باهر: ربما كان من المفيد –أيضاً- أن نُعدَّ للفقراء منهم هدايا بالصيف وأخرى بالشتاء، هدية متواضعة تتناسب مع مصروفنا تدعمها إدارة المسجد، مثل أن تكون: "كوفية، أو طاقية" بالشتاء، ومظلة (شمسية)، أو حذاءً بالصيف.
المعلم أيمن: إنكم لم تذروا لي شيئاً لأقوله، غير أني أرجو ألا أكون صادماً إن قلتُ لكم: إننا قد نفعل ذلك كله مع المُسِنِّين، وقد لا نلقى منهم ما نتوقع من تغيُّر ومرونة!
إن الأمر معقد حقاً يا أبنائي، لكننا سنحاول يحدونا الأمل ويزجينا الرجاء، فلا يستغربن أحدكم إن قدَّمنا ما بوسعنا للمسنين ثم لم نلقَ منهم ما كنا نرجو أو نتوقع!
شرع المعلم "أيمن" وتلاميذه في بدء خُطتهم، لكن لم يمضِ حَوْل حتى تُوفي العجوز الذي كان يشاكس الأطفال، فظن الصغار أن المسجد قد خلص وطاب لهم!
قال المعلم: رحم الله المُتَوَفَّى، علينا أن نذكره دائماً بالخير، وندعو له بالمغفرة والرحمة، والحق أقول لكم: "إن صراع الأجيال هذا لن يتوقف ما دامت الحياة تدبُّ في أوصالنا".
لم يفهم الأطفال حينها عبارة المعلم "أيمن": "صراع الأجيال لن يتوقف"، لكنهم أدركوا معنى هذه الجملة بعد شهرٍ واحدٍ من وفاة العجوز، حيث شاهدوا عجوزاً آخرَ يتوكأ على عصا قد شرع يرتاد المسجد بانتظام مُتأففاً من لَغَط الأطفال وصخبهم ونزقهم!

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

همسات ‏جمالية ‏/بقلم ‏جمال ‏خليل ‏جابر

تشرين اقبل / بقلم الشاعر / محمود محمد العوض

ايام ‏الحنين/بقلم ‏عبير ‏جلال